مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

349

تفسير مقتنيات الدرر

هلكوا وما استوصلوا بالعذاب كأنّه بيّن أنّ سبب عذابهم بالاستيصال ترك النهي عن الفساد . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 117 ] وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) المعنى : وما كان ربّك ليهلك القرى بظلم منه تعالى لهم ولكن إنّما يهلكهم بظلمهم لأنفسهم كما قال : « إِنَّ اللَّه َ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ، الآية » « 1 » هذا أحد وجوه معنى الآية . والثاني أنّ اللَّه لا يؤاخذهم بظلم بعضهم مع أنّ أكثرهم مصلحون ولكن إذا عمّ الفساد وظلم الأكثرون عذّبهم . وثالثها أنّه لا يهلكهم بشركهم وظلم أنفسهم وهم يتعاطون الحقّ بينهم ويتعاملون بينهم بالإصلاح وينصف بعضهم بعضا . وحاصل النظم في الآية أنّ السبب في إهلاك الأمم أنّهم أقدموا في إهلاك نفوسهم بعذاب الاستيصال ، ولو كان فيهم مؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن الفساد لما استأصلناهم رحمة منّا ، ولكنّهم لمّا عمّهم الكفر استحقّوا عذاب الاستيصال . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 118 إلى 123 ] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِه ِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِه ِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 ) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ ( 121 ) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 122 ) وَلِلَّه ِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ فَاعْبُدْه ُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه ِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 123 ) المعنى : أخبر سبحانه عن قدرته فقال : * ( [ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ] ) * الكلّ * ( [ أُمَّةً واحِدَةً ] ) * . وعلى دين واحد فيكونون مؤمنين بأن يلجئهم إلى الإيمان ولكنّ ذلك ينافي التكليف ويبطل الغرض ولذلك لم يشأ اللَّه ذلك ولكنّه سبحانه شاء أن يؤمنوا باختيارهم ليستحقّوا الثواب وقيل : معناه : لو شاء ربّك لجعلهم امّة واحدة في الجنّة على سبيل التفضّل ولكنّه شاء لهم بالحنّة لا على سبيل التفضّل بل شاء على سبيل الاستحقاق للجنّة بحسن عملهم وقيل : معناه لو شاء رفع الخلاف فيما بينهم .

--> ( 1 ) يونس : 44 .